فهرس الكتاب
المحتويات
مقدمة ............................................... أ
مقدمة الطبعة المنقحة .............................................. هـ
المحتويات .............................................. ز
التعليم .............................................. ١
عناصر التعليم .............................................. ٣
أ. الأهداف .............................................. ٣
ب. المادّة ............................................... ٧
المبادئ في اختيار المادة ............................................... ٧
أنواع المادة أو الدروس ............................................... ٩
ج. المعلم .............................................. ١٤
صفات المعلم .............................................. ١٥
واجبات المعلم .............................................. ١٨
المبادئ في أعمال المعلم .............................................. ١٩
د. المتعلم .............................................. ٢٢
آداب طلب العلم .............................................. ٢٢
واجبات المتعلم .............................................. ٢٣
هـ. الوسائل التعليمية .............................................. ٢٤
فهرس الكتاب
وسائل الإيضاح ............................................... ٢٤
أنواع وسائل الإيضاح ............................................... ٢٥
فوائد وسائل الإيضاح ............................................... ٢٥
و. العملية التعليمية ............................................... ٢٩
القواعد الأساسية في التدريس .............................................. ٢٩
طرق التدريس العامة .............................................. ٣٣
أنواع طرق التدريس .............................................. ٣٤
أسس نجاح الطريقة ............................................. ٤٧
التحضير أو إعداد التدريس .............................................. ٥٠
الأسئلة والإجابة .............................................. ٥٣
الأسئلة .............................................. ٥٣
الأجوبة .............................................. ٥٥
خطوات هربارت في التدريس .............................................. ٦١
التقويم .............................................. ٦٨
أنواع التقييم وأغراضه .............................................. ٦٨
أساليب التقييم .............................................. ٧٠
قائمة المراجع .............................................. ٧٣
الطِّفْلُ و الطُّفُولَة
إِنَّ عَالَمَ الطُّفُولَةِ يُخَالِفُ عَالَمَ الرَّجُولَةِ، وَنَظَرُ الطِّفْلِ إِلَى الْحَيَاةِ يُخَالِفُ نَظَرَ الرَّجُلِ،
فَعَالَمُ الطُّفُولَةِ هُوَ عَالَمُ الصَّرَاحَةِ وَالإِخْلَاصِ وَالْحَرَكَةِ، وَاللَّعِبِ، وَالْمُحَاكَاةِ وَالتَّكْوِينِ وَالتَّدْمِيرِ وَحُبِّ الاطِّلَاعِ.
وَالطِّفْلُ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ يَحْتَاجُ إِلَى كُلٍّ مِنْ يُسَاعِدُهُ مُسَاعَدَةً كَبِيرَةً فِي النُّمُوِّ، وَإِلَى مَنْ يُدْرِكُ طِبَاعَهُ، وَيَنْزِلُ إِلَى مُسْتَوَاهُ، وَلَا يُسِيءُ فَهْمَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
لَيِسَتْ تَرْبِيَةُ الطِّفْلِ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ، فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ التَّفْكِيرِ وَالصَّبْرِ وَالْحِزْمِ وَالْخِبْرَةِ وَالْأَنَاةِ.
وَمِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ أَنَّهُ «كَمَا يَكُونُ الطِّفْلُ يَكُونُ الرَّجُلُ»، فَإِذَا عُنِيَنَا بِتَرْبِيَةِ أَطْفَالِ الْيَوْمِ تَرْبِيَةً حَقَّةً ضَمِنَّا فِي الْغَدِ رِجَالًا يُمَثِّلُونَ الْمَثَلَ الْأَعْلَى لِلرَّجُولَةِ.
وَمِنْ أَحْمَاقَةِ أَنْ نُعَامِلَهُمْ كَالرِّجَالِ، وَنَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِمَا نَحْكُمُ بِهِ عَلَى الْكِبَارِ، وَنُلْبِسَهُمْ مَلَابِسَهُمْ، وَنَنْتَظِرَ مِنْهُمْ مَا نَنْتَظِرُهُ مِنَ الرِّجَالِ، أو
الصفحة ٢
نَظُنُّ أَنَّهُمْ يَجِبُ أَنْ يَرْغَبُوا فِيما يَرْغَبُ فِيهِ الْكِبَارُ، وَيَرَوْا مَا يَرَوْنَهُ، وَيَشْعُرُوا بِمَا يَشْعُرُونَ بِهِ.
إِنَّنا نُرِيدُ أَنْ يَتَمَتَّعَ الْأَطْفَالُ بِالطُّفُولَةِ أَوَّلاً، وَنُعَامِلَهُمْ وَنُرَبِّيَهُمْ كَأَطْفَالٍ تَرْبِيَةً تَجْعَلُهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
لَيْسَ التَّفْكِيرُ مَقْصُورًا عَلَى الْكِبَارِ مِنْ بَنِي الإِنْسَانِ، فَهُوَ هِبَةٌ وَهَبَهَا اللَّهُ لِلنَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ.
وَكَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يُفَكِّرُ، كَذلِكَ الطِّفْلُ يُفَكِّرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَفْكِيرِ هَذَا وَذَاكَ إِنَّما هُوَ فَرْقٌ فِي الدَّرَجَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالتَّرْتِيبِ، فَتَفْكِيرُ الرَّجُلِ مُرَتَّبٌ مَنْطِقِيٌّ، أَمَّا تَفْكِيرُ الطِّفْلِ فَسَطْحِيٌّ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَنْطِقِيًّا.
(١)
أ. أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ الأَطْفَالِ
إِنَّ دِرَاسَةَ الأَطْفَالِ وَطَبَائِعِهِمْ وَمُيُولِهِمْ وَغَرَائِزِهِمْ تُسَاعِدُ الْمُرَبِّيَ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، مِنْها:
① مَعْرِفَةُ الْغَرَضِ مِنْ تَرْبِيَةِ الأَطْفَالِ، وَالْمَوَادَّ الَّتِي تُلائِمُهُمْ.
② مَعْرِفَةُ أَمْزِجَتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ الشَّخْصِيَّةِ، وَحَاجَاتِهِمِ الْجِسْمِيَّةِ، مِنْ عِنَايَةٍ وَنَظَافَةٍ، وَهَوَاءٍ وَحَرَكَةٍ، وَرَاحَةٍ وَغِذَاءٍ.
③ تَجَنُّبُ الْهَفَوَاتِ مَعَهُمْ.
عَنَاصِرُ التَّعْلِيمِ ٣
تَضَعُ التَّرْبِيَةُ الحَدِيثَةُ الطِّفْلَ فِي المَكَانِ الأَوَّلِ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ، وَهِيَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى العِلْمِ بِالطِّفْلِ وَالطُّفُولَةِ. وَكَانَ رُوسُو١ أَوَّلَ مَنْ نَادَى بِأَنَّ التَّرْبِيَةَ يَجِبُ أَنْ تُؤَسَّسَ عَلَى دِرَاسَةِ الطِّفْلِ وَمَعْرِفَةِ طِبَاعِهِ وَمَيُولِهِ.
إِنَّ قُوَى الطِّفْلِ لا تَنْمُو إِلاَّ بِالاسْتِعْمَالِ وَالْمَرَانَةِ أَيْ بِالتَّعَوُّدِ وَالاسْتِمْرَارِ مِنَ الطُّفُولَةِ.
هَذِهِ قَاعِدَةٌ لا يَدْخُلُهَا اسْتِثْنَاءٌ، فَإِنَّا نَتَعَلَّمُ الْمَشْيَ بِالْمَرَانَةِ عَلَى الْمَشْيِ، وَالتَّكَلُّمَ بِالتَّكَلُّمِ وَالْمُحَاكَاةِ، كَمَا نَتَعَلَّمُ رُكُوبَ الْخَيْلِ بِالرُّكُوبِ، وَالسِّبَاحَةَ بِالتَّمْرِينِ، وَتَعَوُّدَ التَّفْكِيرِ فِي الأُمُورِ إِذَا عَوَّدْنَا التَّفْكِيرَ. وَإِذَا أُهْمِلَتْ قُوَى الطِّفْلِ فِي الطُّفُولَةِ، وَأُهْمِلَ اسْتِعْمَالُهَا ضَعُفَتْ.
يَجِبُ أَنْ نُعْنَى بِالطُّفُولَةِ، وَنُعْطِيَ الطِّفْلَ الفُرْصَةَ لِيُفَكِّرَ، وَيُلَاحِظَ، وَيَرَى، وَيَشْعُرَ، وَيَسْتَحْسِنَ، وَيَخْتَارَ، وَيَعْتَقِدَ، وَيَحْكُمَ.
_____________________
١ هُوَ جَان جَاك رُوسُو (Jean-Jacques Rousseau): وُلِدَ سَنَة ١٧١٢ وَتُوُفِّيَ سَنَة ١٧٧٨ م. وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّرْبِيَةِ، وَأَبْطَالِ الحُرِّيَّةِ، وَلَوْلَاهُ مَا قَامَتِ الثَّوْرَةُ الفَرَنْسِيَّةُ. وَلَئِنْ كَانَ (فُولْتِير) يُجَهِّرُ بِمَا يَفْكِرُ فِيهِ النَّاسُ، لَقَدْ كَانَ (رُوسُو) يُجَهِّرُ بِمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ.
صفحة ٤
مبِنَفْسِهِ كَيْ لا يُصْبِحَ آلَةً فِي أَيْدِيْنَا، فَيَشْعُرُ بِمَا نَشْعُرُ، وَيَحْكُمُ بِمَا نَحْكُمُ وَكَيْ لا نُعَطِّلَ تِلْكَ الْمَوَاهِبَ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا.
وَبِدِرَاسَةِ مَرَاحِلِ النُّمُوِّ يَتَّضِحُ لِلآبَاءِ وَالْمُرَبِّيْنَ أَنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ يَتَمَيَّزُ بِصِفَاتٍ خَاصَّةٍ يَمُرُّ بِهَا الْأَطْفَالُ الْعَادِيُّوْنَ؛ إِلاَّ أَنَّ سُرْعَةَ نُمُوِّ كُلِّ طِفْلٍ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ وَمَا يَتَبَعُهَا مِنْ ظُهُورِ صِفَاتٍ مُمَيِّزَةٍ قَدْ تَخْتَلِفُ مِنْ طِفْلٍ إِلَى آخَرَ، وَيُسَمَّى هَذَا الاخْتِلَافُ «الْفُرُوقُ الْفَرْدِيَّةُ».
ب. مَعنى النُّمُوِّ لَدَى الطِّفْلِ
النُّمُوُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ وَالْكَثْرَةُ وَالارْتِفَاعُ وَالسُّمُوُّ. وَإِنَّ عَمَلِيَةَ التَّرْبِيَةِ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا إِعْدَادًا وَتَهْيِئَةً لِلْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ لِنُمُوِّ الطِّفْلِ.
وَمَعْنَى النُّمُوِّ لَدَى الطِّفْلِ هُوَ حُدُوثُ التَّغَيُّرَاتِ الْجِسْمِيَّةِ، وَالعَقْلِيَّةِ، وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالانْفِعَالِيَّةِ، كُلُّهَا مُسِيْرَةٌ إِلَى وُجُودٍ الرُّقِيِّ.
يَنْمُو الطِّفْلُ مِنْ جَمِيْعِ نَوَاحِيِهِ نُمُوًّا مُتَكَامِلاً، نَوَاحِيِهِ الْجِسْمِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالانْفِعَالِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِكُلٍّ مِنْهَا طُرُقُهَا فِي النُّمُوِّ، إِلاَّ أَنَّهَا تَتَفَاعَلُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فِي هَذَا النُّمُوِّ.
صفحة ٥
كَوَحْدَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ مُتَنَاسِقَةٍ، وَيُؤَثِّرُ بَعْضُها فِي بَعْضٍ. فَالنُّمُوُّ الْحَرَكِيُّ يُسَاعِدُ عَلَى النُّمُوِّ الاجْتِمَاعِيِّ لأَنَّهُ يَجْعَلُ الطِّفْلَ يَتَحَرَّكُ وَيَتَّصِلُ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَفْرَادِ وَيُوَلِّدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلاقَاتٍ، وَهَذِهِ الْعَلاقَاتُ تُسَاعِدُ تَدْرِيجِيًّا عَلَى ظُهُورِ أَنْمَاطٍ مِنَ السُّلُوكِ الانْفِعَالِيِّ الْمَقْبُولِ.
وَالْعَلاقَاتُ الاجْتِمَاعِيَّةُ وَالسُّلُوكُ الانْفِعَالِيُّ الْمَقْبُولُ تُؤَثِّرُ فِي عِلْمِيَّاتِ الطِّفْلِ الْعَقْلِيَّةِ.
الْأَسْئِلَةُ
١. مَا الْفَرْقُ بَيْنَ عَالَمِ الطُّفُولَةِ وَعَالَمِ الرَّجُولَةِ؟ هَاتِ دَلِيلاً مِنَ الآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ!
٢. لِمَاذَا كَانَتْ تَرْبِيَةُ الطِّفْلِ لَيْسَتْ بِأَمْرٍ هَيِّنٍ؟
٣. مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ «كَمَا يَكُونُ الطِّفْلُ يَكُونُ الرَّجُلُ»؟
٤. مَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَفْكِيرِ الطِّفْلِ وَالرَّجُلِ؟
٥. مَا أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ الأَطْفَالِ وَطَبَائِعِهِمْ وَمَيُولِهِمْ وَغَرَائِزِهِمْ؟
صفحة ٦
٦. مَنْ أَوَّلُ مَنْ نَادَى بِأَنَّ التَّرْبِيَةَ يَجِبُ أَنْ تُؤَسَّسَ عَلَى دِرَاسَةِ الطِّفْلِ وَمَعْرِفَةِ طِبَاعِهِ وَمَيُولِهِ؟
٧. مَا رَأْيُكَ فِي أَنَّ قُوَى الطِّفْلِ تَنْمُو دُونَ الاسْتِعْمَالِ وَالْمَرَانَةِ؟ هَاتِ مَثَالاً!
٨. لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ نُعْطِيَ الطِّفْلَ الْفُرْصَةَ لِيُفَكِّرَ، وَيُلَاحِظَ، وَيَرَى، وَيَشْعُرَ، وَيَسْتَحْسِنَ، وَيَخْتَارَ، وَيَعْتَقِدَ، وَيَحْكُمَ بِنَفْسِهِ؟
٩. مَا فَائِدَةُ دِرَاسَةِ مَرَاحِلِ نُمُوِّ الطِّفْلِ لِلآبَاءِ وَالْمُرَبِّيْنَ؟
١٠. مَا الْمُرَادُ بِالْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ؟
١١. مَا هُوَ النُّمُوُّ لُغَةً؟ وَمَا مَعْنَى النُّمُوِّ لَدَى الطِّفْلِ؟
١٢. بَيِّنْ أَنَّ نُمُوَّ الطِّفْلِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيِهِ كَوَحْدَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ مُتَنَاسِقَةٍ، وَيُؤَثِّرُ بَعْضُها فِي بَعْضٍ!
...
المكونات الأساسية للطبيعة هي الماء والهواء.الْبَابُ الثَّانِي مَرَاحِلُ نُمُوِّ الطِّفْلِ ٧
يَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ التَّرْبِيَةِ وَالنَّفْسِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا فِي أُسُسِ تَقْسِيمِ نُمُوِّ الطِّفْلِ إِلَى مَرَاحِلَ،
وَمِنْ أَكْثَرِ التَّقْسِيمَاتِ شُيُوعًا هُوَ: مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ، وَمَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْوُسْطَى وَالْمُتَأَخِّرَةِ، وَمَرْحَلَةُ الْبُلُوغِ وَالْمُرَاهَقَةِ.
أ. مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ
تَمْتَدُّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ مِنَ الْوِلَادَةِ إِلَى سِنِّ الْخَامِسَةِ تَقْرِيبًا، وَتُعْتَبَرُ خَطِيرَةً وَهَامَّةً فِي شَتَّى جَوَانِبِ التَّرْبِيَةِ: الرُّوحِيَّةِ، وَالعَقْلِيَّةِ، وَالْخُلُقِيَّةِ، وَالوِجْدَانِيَّةِ، وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ.
أَكَّدَ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالتَّرْبِيَةِ مَدَى أَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، وَرَأَوْا أَنَّ لَهَا أَثَرًا بَعِيدًا فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّةِ النَّاشِئِ.
تَتَّضِحُ أَهَمِّيَّةُ دَوْرِ الأُسْرَةِ مُثَلَّاً فِي الوَالِدَيْنِ، وضَرُورَةِ تَحَمُّلِهِمَا مَسْؤُولِيَّةَ الرِّعَايَةِ التَّرْبَوِيَّةِ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، وِحِرْصِهِمَا عَلَى تَوْفِيرِ الْمُنَاخِ الْمُلائِمِ نَفْسِيًّا وَمَادِّيًّا لِنُمُوِّ الطِّفْلِ نُمُوًّا مُتَكَامِلاً سَوِيًّا.
صفحة ٨
يَخْتَلِفُ مُعَدَّلُ النُّمُوِّ مِنْ طِفْلٍ إِلَى آخَرَ، إِذْ يَكُونُ بَعْضُ الأَطْفَالِ سَرِيعِي النُّمُوِّ بَيْنَمَا يَكُونُ نُمُوُّ أَطْفَالٍ آخَرِينَ، مِنْ نَفْسِ عُمْرِهِمْ، بَطِيئًا.
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ هَذِهِ الْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ قَدْ تَرْجِعُ إِلَى عَامِلِ الْوِرَاثَةِ (Inheritance).
١. النُّمُوُّ الْجِسْمِيُّ وَخَصَائِصُهُ
كَانَ الطِّفْلُ فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى مِنْ عُمْرِهِ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّوْءِ وَالظَّلَامِ، ثُمَّ يُدْرِكُ الضَّوْءَ بِالتَّدْرِيجِ.
وَيَبَدَأُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ مِنْ وِلَادَتِهِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأَلْوَانِ.
فِي الأَشْهُرِ الأُولَى تَكُونُ حَرَكَاتُ الطِّفْلِ عَشْوَائِيَّةً وَطَائِشَةً، فَهُوَ هِبَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَعْدُ مِنْ ضَبْطِ عَضَلاتِ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَالتَّحَكُّمِ فِيهَا، وَلَكِنْ يَتَمَكَّنُ بِالتَّدْرِيجِ عَلَى اسْتِعْمَالِ يَدَيْهِ فِي مَسْكِ الأَشْيَاءِ.
وَكَذلِكَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ يَبْدَأُ فِي تَعَلُّمِ كَيْفِيَّةِ ضَبْطِ حَرَكَاتِ الفَمِ وَالرَّأْسِ وَالظَّهْرِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالتَّدْرِيجِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ تَعَلُّمِ بَعْضِ الْمَهَارَاتِ اللازِمَةِ، وَتَعَلُّمِ بَعْضِ الْحَرَكَاتِ، كَالْجُلُوسِ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ، وَالزَّحْفِ فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ.
صفحة ٩
وَالْمَشْيُ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الطِّفْلِ أَوْ ضُعْفِهِ.
وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أُمِّهِ وَمُرَبِّيَتِهِ، أَوْ بَيْنَ أَبِيهِ وَعَمِّهِ قَبْلَ الشَّهْرِ السَّابِعِ.
٢. النُّمُوُّ الْعَقْلِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ عُمْرِ الْوَلِيدِ تَقْرِيبًا يَبْدَأُ الطِّفْلُ النُّطْقَ بِالْكَلِمَةِ الأُولَى، وَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَاتُ الأُولَى مُجَرَّدَ تَرْدِيدٍ لِمَا يَقُولُهُ الْكِبَارُ.
ثُمَّ تَرْتَبِطُ لَدَى الطِّفْلِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَوْقِفٍ خَاصٍّ أَوْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَكَلِمَةِ «مَامَا» أَوْ «بَابَا» وَغَيْرِهِمَا.
وَفِي سِنِّ الرَّابِعَةِ يَكُونُ الطِّفْلُ كَثِيرَ الْأَسْئِلَةِ، فَهُوَ يَسْأَلُ أَسْئِلَةً كَثِيرَةً، وَيُدْرِكُ الْعَلاقَاتِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ أَفْكَارِهِ بِعِبَارَاتٍ مُنَاسِبَةٍ.
وَفِي سِنِّ الْخَامِسَةِ يَسْتَطِيعُ الطِّفْلُ أَنْ يَنْطِقَ نُطْقًا صَحِيحًا وَيَحْكِي قِصَّةً طَوِيلَةً.
وَيَكُونُ الطِّفْلُ قَوِيَّ التَّقْلِيدِ، سَرِيعَ الْمُحَاكَاةِ، مَا يُسَاعِدُهُ عَلَى نُمُوِّ تَفْكِيرِهِ وَلُغَتِهِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ عَلاقَةٍ وَثِيقَةٍ بَيْنَ ذَكَاءِ الْأَطْفَالِ وَلُغَتِهِمْ.
صفحة ١٠
وَأَبْرَزُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ هِيَ حُبُّ الاسْتِطْلاعِ وَالْمَعْرِفَةِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِي كَثْرَةِ الاسْتِفْسَارَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ وَحُبِّ التَّقْلِيدِ وَالْمُحَاكَاةِ وَالْخَيَالِ الَّذِي يَبْدَأُ إِيْهَامِيًّا ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ وَاقِعِيًّا.
وَلا شَكَّ أَنَّ حُبَّ الاسْتِطْلاعِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْمُحَاكَاةِ وَالْخَيَالِ هِيَ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ نُمُوِّ التَّفْكِيرِ وَاسْتِكْمالِ النُّضْجِ الْعَقْلِيِّ بِالتَّدْرِيجِ لَدَى الطِّفْلِ.
٣. النُّمُوُّ الْوِجْدَانِيُّ وَخَصَائِصُهُ
الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى مِنَ الطُّفُولَةِ هِيَ أَهَمُّ مَرْحَلَةٍ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ جِسْمِيًّا وَخُلُقِيًّا،
وَفِي تَعْوِيدِهِ أَحْسَنَ الْعَادَاتِ، وَأَكْرَمَ الْأَخْلَاقِ، وَأَجْمَلَ النِّظَامِ؛ فَيُعَوَّدُ أَدَبَ الْحَدِيثِ، وَأَدَبَ السُّؤَالِ، بِأَنْ يَقُولَ «مِنْ فَضْلِكَ» إِذَا طَلَبَ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ، وَيَشْكُرَ قَائِلاً «أَشْكُرُكَ» إِذَا أَعْطَاهُ مَا طَلَبَ، وَحَقَّقَ رَغْبَتَهُ؛ وَيُعَادَ النَّظَامُ فِي الْجُلُوسِ وَالنَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ.
وَمِنْ خَصَائِصِ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ لِلطِّفْلِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ كَوْنُهُ مُتَقَلِّبَ الْوِجْدَانِ وَمُتَذَبْذِبَ الِانْفِعَالِ، سَرْعَانَ مَا يَفْرَحُ...
صفحة ١١
وَيَغْضَبُ، كَثِيرَ الْخَوْفِ، شَدِيدَ الْغِيرَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقِرٍّ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ النَّفْسِيَّةِ وَالانْفِعَالِيَّةِ.
وَيَهْتَمُّ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالتَّرْبِيَةِ بِهَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنْ حَيَاةِ الطِّفْلِ إِلَى أَبْعَدِ حَدٍّ لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ أُسُسَ الْأَخْلَاقِ تُغْرَسُ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ فُلاسِفَةِ التَّرْبِيَةِ الْحَدِيثَةِ: «إِنَّ الطِّفْلَ يَأْخُذُ الطَّابِعَ الَّذِي يُلازِمُهُ طُولَ حَيَاتِهِ فِي السَّنَوَاتِ الْخَمْسِ الْأُولَى».
لِمَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي اكْتِسَابِ الْعَادَاتِ وَالتَّقالِيدِ وَتَثْبِيتِهَا، وَالْعَادَاتُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ أَثْنَاءَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ صَعْبٌ تَغْيِيرُهَا فِي فَتَرَاتِ النُّمُوِّ التَّالِيَةِ، كَمَا أَنَّ الْعَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ خِلالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ عَسِيرٌ إِنْماؤُهَا فِيمَا بَعْدُ.
فَمِنَ الضَّرُورَةِ لِلآبَاءِ وَالْمُرَبِّينَ اجْتِنَابُ الْقَسْوَةِ وَالشِدَّةِ فِي مُعَامَلَتِهِ وَعَدَمِ إِفْزَاعِهِ وَإثَارَةِ خَوْفِهِ.
إِنَّ سَنَوَاتِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ بِالذَّاتِ هِيَ سَنَوَاتُ أُسُسِ التَّكْوِينِ الرُّوحِيِّ وَالعَقْلِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ وَالْخُلُقِيِّ وَالْجَسَدِيِّ، وَيُؤَكِّدُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ أَهَمِّيَّةَ خِبْرَاتِ الطُّفُولَةِ وَخُطُورَتَهَا فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّةِ الْفَرْدِ الْمُتَكَامِلَةِ فِيمَا بَعْدُ.
صفحة ١٢
شَكَّ أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ الوَالِدَيْنِ وَالْمُرَبِّيْنَ عُمُومًا، مِنْ أَخْطَرِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ تِجَاهَ النَّاشِئِينَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْهَامَّةِ وَالْخَطِيرَةِ فِي رَسْمِ مَعَالِمِ شَخْصِيَّةِ الْفَرْدِ الإِنْسَانِيِّ وَإِرْسَاءِ دَعَائِمِهَا عَلَى أُسُسٍ مَتِينَةٍ.
الْأَسْئِلَةُ
١. اذْكُرْ مَرَاحِلَ نُمُوِّ الطِّفْلِ!
٢. مَتَى تَمْتَدُّ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ؟
٣. مَا أَهَمِّيَّةُ دَوْرِ الأُسْرَةِ أَوِ الوَالِدَيْنِ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّةِ النَّاشِئِ؟
٤. مَا أَهَمُّ أَسْبَابِ اخْتِلَافِ الْفُرُوقِ الْفَرْدِيَّةِ بَيْنَ الأَطْفَالِ؟
٥. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى؟
٦. مَتَى يَبْدَأُ الطِّفْلُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الأَلْوَانِ؟
٧. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ فِي الأَشْهُرِ الأُولَى؟
٨. مَتَى يَبْدَأُ الطِّفْلُ الْجُلُوسَ وَالزَّحْفَ وَالْمَشْيَ؟
٩. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ لِلطِّفْلِ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا؟
صفحة ١٣
١٠. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ لِلطِّفْلِ فِي سِنِّ الرَّابِعَةِ؟
١١. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ لِلطِّفْلِ فِي سِنِّ الْخَامِسَةِ؟
١٢. مَا أَبْرَزُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ؟
١٣. مَا أَهَمَّ عَوَامِلِ نُمُوِّ التَّفْكِيرِ وَاسْتِكْمَالِ النُّضْجِ الْعَقْلِيِّ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ؟
١٤. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ؟
١٥. لِمَاذَا اهْتَمَّ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالتَّرْبِيَةِ بِالْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنْ حَيَاةِ الطِّفْلِ؟ وَمَاذَا قَالَ بَعْضُ فَلاسِفَةِ التَّرْبِيَةِ الْحَدِيثَةِ عَنْهَا؟
١٦. لِمَاذَا كَانَتِ الْعَادَاتُ وَالتَّقالِيدُ الْمَكُونَةُ الثَّابِتَةُ فِي السَّنَوَاتِ الْخَمْسِ الْأُولَى صَعْبَ تَغْيِيرِهَا وَعَسِيرَ إِنْمَاؤُهَا؟
صفحة ١٤
ب. مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْوُسْطَى وَالْمُتَأَخِّرَةِ
تَمْتَدُّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ مِنْ سِنِّ الْخَامِسَةِ إِلَى سِنِّ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ أَوِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا، وَتَشْتَمِلُ عَلَى نُمُوٍّ جِسْمِيٍّ سَرِيعٍ مَلْحُوظٍ تَعْقِبُهُ فَتْرَةُ بُطْءٍ فِي النُّمُوِّ، وَتَتَّسِعُ فِيهَا عَلاقَاتُ الطِّفْلِ بِغَيْرِهِ وَتَنْمُو مَعَارِفُهُ وَتَزْدَادُ خِبْرَاتُهُ.
١. النُّمُوُّ الْجِسْمِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي الْفَتْرَةِ مَا بَيْنَ سِنِّ الْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ يُلاَحَظُ عَلَى الطِّفْلِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ أَنَّهُ يَكُونُ أَرْفَعَ وَأَنْحَفَ لِأَنَّهَا فَتْرَةُ نُمُوٍّ سَرِيعٍ فِي الطِّفْلِ،
وَيَكُونُ الطِّفْلُ فِيهَا عُرْضَةً لِعِدَّةِ أَمْرَاضٍ كَالسُّعَالِ الدِّيكِيِّ وَالْحَصْبَةِ وَالْجُدَرِيِّ نَتِيجَةً لِنُمُوِّهِ الْجِسْمَانِيِّ السَّرِيعِ، وَمِنْ أَعْرَاضِهِ الَّتِي يُمْكِنُ مُلاَحَظَتُهَا بِسُهُولَةٍ فُقْدَانُ الطِّفْلِ جُزْءًا مِنْ وَزْنِهِ،
وَنُحُولُ جِسْمِهِ تَبَعًا لِذلِكَ.
وَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ تَتَسَاقَطُ «الْأَسْنَانُ اللَّبَنِيَّةُ» لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا «الْأَسْنَانُ الدَّائِمَةُ» مِمَّا يَسْتَوْجِبُ تَوْفِيرَ التَّغْذِيَةِ.
صفحة ١٥
الصِّحِّيَّةُ الجَيِّدَةُ لِلأَطْفَالِ حِفَاظًا عَلَى صِحَّتِهِمْ وَسَلامَةِ أَبْدانِهِمْ.
وَمِنْ سِنِّ السَّابِعَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا تَلِي هَذِهِ الفَتْرَةَ فَتْرَةُ البُطْءِ فِي النُّمُوِّ الجِسْمِيِّ، تَتَحَسَّنُ فِيهَا صِحَّةُ الطِّفْلِ وَتَزْدَادُ حَيَوِيَّتُهُ وَحَرَكَتُهُ وَنَشَاطُهُ وَلَعِبُهُ وَقُوَّتُهُ وَجَرْأَتُهُ.
وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ جِسْمِ الطِّفْلِ تَسْتَمِرُّ فِي النُّمُوِّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ.
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الآبَاءِ وَالْمُرَبِّيْنَ مُرَاعَاتُهُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، أَنَّ الطِّفْلَ يَحْتَاجُ إِلَى كَمِّيَّةٍ كَافِيَةٍ مِنَ الغِذَاءِ مَعَ ضَرُورَةِ مُرَاعَاةِ نَوْعِيَّتِهَا، كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى قِسْطٍ وَافِرٍ مِنَ الرَّاحَةِ لِتَعْوِيضِ الْجُهْدِ الْمَبْذُولِ فِي الحَرَكَةِ وَالنَّشَاطِ.
صفحة ١٦
٢. النُّمُوُّ الْعَقْلِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَنْمُو عَقْلُ الطِّفْلِ بِالتَّدْرِيجِ وَتَزْدَادُ خِبْرَاتُهُ، وَتَبْرُزُ غَرَائِزُهُ وَدَوَافِعُهُ إِلَى الْكَشْفِ عَنْ خَفَايَا الْبِيئَةِ، وَالتَّسَاؤُلِ وَالاسْتِفْسَارِ دَوْمًا عَنِ الأَشْيَاءِ وَمَعَانِيهَا طَلَبًا لِلْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وَيَسْتَمِرُّ النُّمُوُّ الْعَقْلِيُّ لَدَى الطِّفْلِ وَيَتَقَدَّمُ فِي إِدْرَاكِ الْعَلاقَاتِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الأَشْيَاءِ الْمُرَكَّبَةِ وَيَتَّسِعُ مَدَى إِدْرَاكِهِ وَيَزْدَادُ وُضُوحًا.
وَبَعْدَ سِنِّ التَّاسِعَةِ خَاصَّةً، يَبْدَأُ النُّضْجُ فِي الْقُوَى العَقْلِيَّةِ لَدَى الطِّفْلِ كالتَّذَكُّرِ وَالتَّفْكِيرِ وَالانْتِبَاهِ وَالتَّرْكِيزِ.
وَيُصْبِحُ الطِّفْلُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ أَقْدَرَ عَلَى الانْتِبَاهِ الإِرَادِيِّ مِمَّا يُمْكِنُهُ مِنَ التَّرْكِيزِ، وَالفَهْمُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وَيَبْدَأُ الطِّفْلُ فِي مُنْتَصَفِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ تَقْرِيبًا فِي الانْتِقَالِ مِنْ طَوْرِ الْخَيَالِ وَاللَّعِبِ العَابِثِ إِلَى طَوْرِ الوَاقِعِ
صفحة ١٧
فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَلْحَقُ الطِّفْلُ بِالْمَدْرَسَةِ الابْتِدَائِيَّةِ، وَقَدْ تَعَلَّمَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَقُومَ بِعَمَلِيَّاتٍ سَهْلَةً حِسَابِيَّةٍ مِمَّا دَرَسَهُ فِي رَوْضَةِ الأَطْفَالِ أَوِ الْمَدْرَسَةِ الأَوَّلِيَّةِ،
وَتَكَوَّنَتْ لَدَيْهِ عَادَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا يَرَى وَمَا يَسْمَعُ، وَيَنْتَبِهُ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي يَمِيلُ إِلَيْهَا بِفِطْرَتِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ،
وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَحْفَظَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالأَدْعِيَةِ.
وَيَسْتَطِيعُ الطِّفْلُ أَنْ يُفَكِّرَ تَفْكِيرًا مُنَظَّمًا، وَيُعَلِّلَ الْحَوَادِثَ، وَأَفْكَارُهُ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
٣. النُّمُوُّ الانْفِعَالِيُّ وَالاجْتِمَاعِيُّ وَخَصَائِصُهُ
مِنَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ سِنِّ الْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ تُعْتَبَرُ فَتْرَةَ وَاقِعِيَّةِ الطِّفْلِ مِنْ حَيْثُ السُّلُوكُ الانْفِعَالِيِّ.
وَمَعَ ذلِكَ فَإِنَّ الطِّفْلَ يَبْدَأُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ ثَابِتًا وَاسْتِقْرَارًا مَلْحُوظًا فِي حَيَاتِهِ الانْفِعَالِيَّةِ، فَيَكُونُ قَلِيلَ الْمَشَاكِلِ وَالتَّوَتُّرِ الانْفِعَالِيِّ.
فِي سِنِّ السَّابِعَةِ حَتَّى سِنِّ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا يَبْدَأُ الطِّفْلُ فِي التَّقْلِيلِ مِنْ تَعَلُّقِهِ الْمُفْرِطِ بِوَالِدَيْهِ، وَيَتَّجِهُ نَحْوَ أَصْدِقَائِهِ،
صفحة ١٨
وَزْمَرَةِ اللَّعْبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْحِيرَانِ وَالْحَيِّ وَرُفَقَاءِ الْمَدْرَسَةِ، وَيَبْدَأُ فِي إِظْهَارِ مَيْلٍ بَارِزٍ لِلصَّدَاقَةِ وَالتَّجَلُّلِ وَالْمَخَاطِرِ، وَهُوَ مَا يُعْتَبَرُ وَسَائِلَ فَعَّالَةً فِي رَبْطِهِ بِبِيئَتِهِ وَالْكَشْفِ عَنْ خَبَايَاهَا وَالتَّعَرُّفِ عَلَيْهَا.
وَ تَتَمَيَّزُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ بِشِدَّةِ مَحَبَّةِ الطِّفْلِ لِلَّعِبِ بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَيَكُونُ الطِّفْلُ فِيهَا مُهْتَمًّا بِنَفْسِهِ مُحِبًّا لَهَا، مُلْتَفِتًا حَوْلَهَا، مُلْبِيًا لِرَغَبَاتِهَا.
وَفِي أَوَاخِرِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَهْتَمُّ الْأَطْفَالُ بِاللَّعِبِ الْجَمَاعِيِّ الْمُنَظَّمِ فِي شَكْلِ فَرِيقٍ أَوْ مَجْمُوعَةٍ.
ثُمَّ يُحَاوِلُ الطِّفْلُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ بِالتَّدْرِيجِ أَنْ يُرْضِيَ رَغَبَاتِ الْآخَرِينَ إِلَى جَانِبِ إِرْضَائِهِ لِرَغَبَاتِهِ، وَذَلِكَ نَتِيجَةُ لِارْتِبَاطِهِ بِالرُّفَقَاءِ وَمُحَاوَلَتِهِ التَّكْيِيفَ بَيْنَ مَطَالِبِهِ وَمَطَالِبِهِمْ.
صفحة ١٩
الْأَسْئِلَةُ
١. مَتَى تَمْتَدُّ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ الْوُسْطَى وَالْمُتَأَخِّرَةِ؟ عَلاَمَ تَشْتَمِلُ؟
٢. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ فِي الْفَتْرَةِ مَا بَيْنَ سِنِّ الْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ؟
٣. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ مِنْ سِنِّ السَّابِعَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ؟
٤. مَا هِيَ الأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الآبَاءِ وَالْمُرَبِّيْنَ مُرَاعَاتُهَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِالنُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ؟
٥. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ لِلطِّفْلِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ؟
٦. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ لِلطِّفْلِ بَعْدَ سِنِّ التَّاسِعَةِ خَاصَّةً؟
٧. مَتَى يَبْدَأُ الطِّفْلُ ثَبَاتًا وَاسْتِقْرَارًا مَلْحُوظًا فِي حَيَاتِهِ الانْفِعَالِيَّةِ؟
٨. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الانْفِعَالِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ لِلطِّفْلِ بَيْنَ سِنِّ السَّابِعَةِ وَالثَّانِيَةِ عَشْرَةَ؟
٩. بِمَ تَتَمَيَّزُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ لَدَى الطِّفْلِ مِنَ النَّاحِيَةِ الانْفِعَالِيَّةِ؟
صفحة ٢٠
ج. مَرْحَلَةُ الْبُلُوغِ وَالْمُرَاهَقَةِ
تَمْتَدُّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ مِنْ سِنِّ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لَدَى الْبَنَاتِ، وَسِنِّ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ أَوِ الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ لَدَى الْبَنِينَ، إِلَى سِنِّ الْعِشْرِينَ تَقْرِيبًا.
بِدَايَةُ الْمُرَاهَقَةِ وَنِهَايَتُهَا لَيْسَتْ وَاحِدَةً عِنْدَ كُلِّ الأَطْفَالِ لأَنَّ الْخَصَائِصَ أَوِ الْمَعَالِمَ الَّتِي تُحَدِّدُ بِدَايَتَهَا تَظْهَرُ مُبَكِّرَةً عِنْدَ بَعْضِ الأَطْفَالِ وَمُتَأَخِّرَةً عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، كَمَا يَخْتَلِفُ زَمَنُهَا بَيْنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ.
وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى عَوَامِلَ، مِنْ أَهَمِّهَا الْجِنْسُ وَالْوِرَاثَةُ، وَالْبِيئَةُ الْمَادِّيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ وَالْحَاضِرَةُ، وَطَبِيعَةُ فَرْدِ الطِّفْلِ نَفْسِهِ.
١. النُّمُوُّ الْجِسْمِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي سِنِّ العَاشِرَةِ إِلَى السَّادِسَةِ عَشْرَةَ يَحْدُثُ نُمُوٌّ جِسْمَانِيٌّ سَرِيعٌ، يَشْمَلُ مُخْتَلَفَ مَظَاهِرِ الْجِسْمِ، وَهُوَ مُبَكِّرٌ عِنْدَ الْبَنَاتِ وَمُتَأَخِّرٌ عِنْدَ الْبَنِينَ.
وَيَشْمَلُ عِدَّةَ مَظَاهِرَ جِسْمِيَّةٍ كَالطُّولِ وَالوَزْنِ، وَاتِّسَاعِ الْكَتِفَيْنِ، وَطُولِ السَّاقَيْنِ،
صفحة ٢١
وَمُحِيطِ الأَرْدَافِ، واسْتِدَارَةِ الأَيْدِي، وغَيْرِهَا مِنْ مَظَاهِرِ النُّمُوِّ الْجِسَمِيِّ للْبَالِغِينَ.
وَتَتَّضِحُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الصِّفَاتُ الْجِسْمِيَّةُ الْمُمَيِّزَةُ لِكُلٍّ مِنَ الْجِنْسَيْنِ إِنَاثًا وَذُكُورًا،
وَتَحْدُثُ عِدَّةُ تَغَيُّرَاتٍ لِلبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَهِي: ازْدِيَادُ الْوَزْنِ، واسْتِطَالَةُ الْعِظَامِ، وَنُمُوُّ الْعَضَلاتِ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ، وَتَغَيُّرٌ فِي الصَّوْتِ، وَظُهُورُ الشَّعْرِ تَحْتَ الإِبْطَيْنِ وَحَوْلَ الأَعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةِ.
وَتَحْدُثُ عِدَّةُ تَغَيُّرَاتٍ خَاصَّةٌ لِلبَنِينَ وَهِي: شَكْلُ الْحَنْجَرَةِ، وَظُهُورُ الشَّعْرِ عَلَى اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ.
وَأَمَّا التَّغَيُّرَاتِ الْخَاصَّةُ لِلْبَنَاتِ فَهِي: اسْتِدَارَةُ الْعَجْزِ أَوِ الأَرْدَافِ، وَبُرُوزُ النَّهْدَيْنِ، وَحُدُوثُ الْعَادَةِ الشَّهْرِيَّةِ أَيِ الْحَيْضِ أَوِ الطَّمْثِ.
وَفِي الْغَالِبِ تَصِلُ الْبَنَاتُ إِلَى حَالَةِ الْبُلُوغِ قَبْلَ الْبَنِينَ، وَيَظْهَرُ هَذَا حَتَّى فِي الْمَظَاهِرِ الْجِسْمِيَّةِ.
وَطَفْرَةُ النُّمُوِّ تَسِيقُ الْبُلُوغَ عَادَةً عِنْدَ الْبَنَاتِ بَيْنَمَا تَحْدُثُ فِي أَثْنَاءِ فَتْرَةِ الْبُلُوغِ عِنْدَ الْبَنِينَ، كَمَا يَرَى بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّ التَّغَيُّرَاتِ الْعُضْوِيَّةَ...
صفحة ٢٢
وَالْبِيُولُوجِيَّةِ تَسْبِقُ عِنْدَ الْبَنَاتِ ظُهُورَهَا عِنْدَ الْبَنِينَ بِاخْتِلَافِ الْبِيئَاتِ وَالْمَنَاخِ وَالتَّغْذِيَةِ وَالرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَيَكُونُ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ فِي طُولِ فَتْرَةِ النُّمُوِّ، فَتَسْتَمِرُّ عِنْدَ الْبَنَاتِ إِلَى حَوَالَيْ سِنِّ ١٨ (الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ) تَقْرِيبًا،
أَمَّا عِنْدَ الْبَنِينَ فَقَدْ تَسْتَمِرُّ إِلَى حَوَالَيْ سِنِّ ٢٠ (الْعِشْرِينَ) أَوْ سِنِّ ٢١ (الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ) تَقْرِيبًا.
وَمِنَ الاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ أَيْضًا أَنَّ النُّمُوَّ فِي حَجْمِ الجِسْمِ عِنْدَ الْبَنَاتِ، مِنْ سِنِّ ١١ (الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ) إِلَى سِنِّ ١٥ (الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ) تَقْرِيبًا، يَكُونُ أَسْرَعَ مِنْهُ عِنْدَ الْبَنِينَ، فَتَزْدَادُ سُرْعَةُ نُمُوِّ الْبَنَاتِ فِي الطُّولِ وَالْوَزْنِ عَنِ الْبَنِينَ.
ثُمَّ بَعْدَ سِنِّ ١٥ يَزِيدُ الْبَنُونَ عَنِ الْبَنَاتِ فِي ذلِكَ، وَيَتَفَوَّقُ الْفِتْيَانُ عَلَى الْفَتَيَاتِ فِي نُمُوِّ قُوَّةِ الْعَضَلاتِ.
وَيَكُونُ هُنَاكَ زِيَادَةٌ سَرِيعَةٌ فِي النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ فِي أَثْنَاءِ الْبُلُوغِ، ثُمَّ يَبْدَأُ النُّمُوُّ الْجِسْمِيُّ فِي الْبُطْءِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَيَقِلُّ تَدْرِيجِيًّا حَتَّى يَقِفَ فِي النِّهَايَةِ.
صفحة ٢٣
٢. النُّمُوُّ الْعَقْلِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي أَثْنَاءِ مَرْحَلَةِ الْمُرَاهَقَةِ يَسْتَمِرُّ النُّمُوُّ الْعَقْلِيُّ، وَلَا تَكُونُ سُرْعَتُهُ وَاحِدَةً بَلْ تَكُونُ كَبِيرَةً فِي أَوَائِلِ الْمُرَاهَقَةِ ثُمَّ تَقِلُّ نِسْبِيًّا بَعْدَ ذلِكَ.
فِي سِنِّ السَّادِسَةِ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا يَصِلُ نُمُوُّ الذَّكَاءِ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ،
وَفِي سِنِّ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ تَظْهَرُ الْقُدُراتُ العَقْلِيَّةُ وَالْخَيَالُ وَيَتَّضِحُ بُوْضُوحٌ وَيَتَمَيَّزُ، وَيَبْدَأُ التَّفْكِيرُ وَالإِنْتِبَاهُ وَالتَّرْكِيزُ وَالرَّبْطُ وَالاسْتِنْتَاجُ،
وَيَتَحَوَّلُ مِنَ التَّفْكِيرِ الْمَادِّيِّ إِلَى التَّفْكِيرِ الْمُجَرَّدِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَلِّلَ وَيُرَكِّبَ وَيَسْتَقْرِئَ وَيَقِيسَ، وَيَتَّضِحُ لَدَيْهِ التَّفْكِيرُ الْمَنْطِقِيُّ وَالاسْتِدْلَالِيُّ، وَيَسْتَطِيعُ فَهْمَ الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ وَالْمُرَادِفِ وَالضِّدِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحْسِنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ.
وَتَنْضَجُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مَلَكَاتُ الْمُرَاهِقِينَ تَدْرِيجِيًّا وَتَتَّسِعُ مَدَارِكُهُمْ وَتَزْدَادُ مَعْرِفَتُهُمْ،
وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ تَتَّسِمُ بِالنُّضْجِ الْعَقْلِيِّ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْخِبْرَةِ الْكَافِيَةِ وَقِلَّةِ تَجَارِبِ الْحَيَاةِ.
صفحة ٢٤
الذَّكَاءِ بَيْنَ الأَفْرَادِ مِنْ حَيْثُ تَعْلِيمُهِمْ وَتَوجِيهِهِمُ التَّربَوِيُّ.
وَتَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ قُدْرَتُهُمْ عَلَى الانْتِبَاهِ وَالتَّرْكِيزِ وَالاسْتِيعَابِ وَالاسْتِدْلَالِ وَالاسْتِنْتَاجِ وَالتَّفْكِيرِ الْمَنْطِقِيِّ وَالتَّذَكُّرِ، وَهُوَ مَا يَتَطَلَّبُ إِتَاحَةَ الْفُرَصِ اللاَّزِمَةِ لِلْفَرِدِ كَيْ يُنْمِيَ وَيَصْقُلَ قُدْرَاتِهِ وَاسْتِعْدَادَاتِهِ الْعَقْلِيَّةَ.
وَيَبْدَأُ الْمُرَاهِقُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ اعْتِمَادَهُ عَلَى الْمَنْطِقِ فِي الْفَهْمِ وَالْمُنَاقَشَةِ وَالاسْتِيعَابِ، وَيَظْهَرُ مَيْلُهُ إِلَى التَّفْكِيرِ الدِّينِيِّ وَمُنَاقَشَةِ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ، وَحُبُّهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالْبَحْثِ وَالْكَشْفِ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ.
٣. النُّمُوُّ الْوِجْدَانِيُّ وَخَصَائِصُهُ
يُرَكِّزُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالتَّرْبِيَةِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ عَلَى عَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ وَالنُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ وَالنُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّضْجَ الْجِسْمِيَّ يُصَاحِبُهُ الْمَيْلُ الطَّبِيعِيُّ لَدَى الْفَرِدِ
السَّلِيمِ إِلَى الْجِنْسِ الْآخَرِ وَيَلُوْنُ تَصَرُّفَاتِهِ وَانْفِعَالَاتِهِ وَمَوَاقِفَهُ بِلَوْنٍ خَاصٍّ.
صفحة ٢٥
وَمِنْ خَصَائِصِ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ كَثْرَةُ انْفِعَالَاتِ الْمُرَاهِقِ وَتَقَلُّبَاتِهِ نَتِيجَةَ لِنُوَعِ التَّرْبِيَةِ الَّتِي يَتَلَقَّاهَا وَالْمُعَامَلَةِ الَّتِي يُعَامَلُ بِهَا، خُصُوصًا وَأَنَّهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ أَصْبَحَ كَالكِبَارِ.
وَمِمَّا يَزِيدُ الْمُرَاهِقَ اضْطِرَابًا فِي حَيَاتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَالانْفِعَالِيَّةِ اِسْتِهْزَاءُ الْكِبَارِ بِهِ وَسُخْرِيَّتُهُمْ مِنْهُ، وَمُعَامَلَتُهُمْ لَهُ عَلَى أَسَاسِ كَوْنِهِ لا يَزَالُ طِفْلًا غَرِيرًا،
وَهذا شَأْنُهُ أَنْ يَزِيدَ فِي تَحَدِّيهِ لَهُمْ، وَثَوْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، يُغَذِّيهِ فِي ذلِكَ شُعُورُهُ بِاسْتِقْلالِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الاعْتِمَادِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَفِي الْغَالِبِ تَكْثُرُ الْبَنَاتُ مِنْ تَأَمُّلِ وَجُوهِهَا فِي الْمِرْآةِ مَتَى تَوَافَرَتِ الْمِرْآةُ، وَتَأْخُذُ فِي الاهْتِمَامِ بِمَلاَبِسِهَا وَإِظْهَارِ أُنُوثَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قَبْلُ.
وَأَمَّا الْبَنُونَ فَيُصْبِحُ صَوْتُهُمْ أَكْثَرَ خُشُونَةً، وَقَدْ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّحَكُّمَ فِيهِ بِسُهُولَةٍ فَيَبْدَأُ فِي الاهْتِمَامِ بِهِ وَيَعْرَيهِمْ بَعْضُ الْقَلَقِ مِنْ وَرَاءِ هَذَا.
صفحة ٢٦
٤. النُّمُوُّ الانْفِعَالِيُّ وَخَصَائِصُهُ
فِي فَتْرَةِ الْمُرَاهَقَةِ، وَبِخاصَّةً فِي أَوَائِلِهَا، يَكُونُ النَّشَاطُ الانْفِعَالِيُّ لِلْمُرَاهِقِ كَبِيرًا جِدًّا، وَيَخْتَلِفُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي مَرْحَلَتِي النُّمُوِّ السَّابِقَتَيْنِ، وَعَمَّا سَيَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَ الْمُرَاهَقَةِ.
وَيُؤَثِّرُ هَذَا النَّشَاطُ الانْفِعَالِيُّ فِي جَمِيعِ أَنْمَاطِ سُلُوكِ الْمُرَاهِقِ.
وَلَا تَكُونُ مَظَاهِرُ هَذَا النَّشَاطِ الانْفِعَالِيِّ وَاحِدَةَ طُولِ الوَقْتِ بَلْ إِنَّ بَعْضَهَا يَظْهَرُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ تَقِلُّ حِدَّتُهَا أَوْ تَخْتَفِي، حِينَ أَنَّ بَعْضَ الْآخَرِ يَسْتَمِرُّ بِوُجُودِهِ.
وَتَتَأَثَّرُ هَذِهِ الانْفِعَالَاتُ بِعَوَامِلَ كَثِيرَةٍ يَكُونُ بَعْضُهَا ظَاهِرًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ ظَاهِرٍ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ الانْفِعَالَاتِ قَدْ تَتَأَثَّرُ بِطُرُقٍ مُلْتَوِيَةٍ يَصْعُبُ أَنْ تَتَبَّعَهَا.
وَقَدْ تَدُورُ بَعْضُ الانْفِعَالَاتِ حَوْلَ أُمُورٍ أَوْ مَوْضُوعَاتٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَنَوَاتٍ سَابِقَةٍ، كَمَا تَتَأَثَّرُ الانْفِعَالَاتُ بِالتُّرَاثِ الثَّقَافِيِّ وَالْحَضَارِيِّ فِي الْمُجْتَمَعِ.
وَيَخْتَلِفُ الْمُرَاهِقُونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي انْفِعَالَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُصْبِحُ حَادًّا فِي انْفِعَالَاتِهِ وَلَا يَجِدُ الإرْشَادَ وَالْبِيئَةَ.
صفحة ٢٧
الصَّالِحَةَ فَيَنحَرِفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصْبِحُ مُنطَوِيًا عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصْبِحُ مُتَزَنِّا فِي انْفِعَالَاتِهِ وَيُوائِمُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ مُجْتَمَعِهِ.
فِي أَوَاخِرِ الْمُرَاهَقَةِ وَالْغَالِبِ يَبْدَأُ الْمُراهِقُونَ فِي الاتِّزَانِ الاجْتِمَاعِيِّ، فَيَقِلُّ تَمَرُّدُهُمْ أَوْ عِصْيَانُهُمْ، وَيَتَزَنَّنُونَ فِي حَدِيثِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ بِوَجْهٍ عَامٍّ، وَتَنْمُو قُدْرَتُهُمْ عَلَى النَّقْدِ، وَقَدْ يَبِدَأُونَ فِي التَّفْكِيرِ فِي تَعَالِيمِ الدِّينِ وَمَبَادِئِهِ الَّتِي تَعَلَّمُوهَا فِي صِغَرِهِمْ.
وَقَدْ يُؤَدِّي هَذَا التَّفْكِيرُ بِبَعْضِ الْمُراهِقِينَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ التَّشَكُّكِ إِذَا لَمْ يُوَجَّهُوا التَّوْجِيهَ السَّلِيمَ.
صفحة ٢٨
الْأَسْئِلَةُ
١. مَتَى تَمْتَدُّ مَرْحَلَةُ الْبُلُوغِ وَالْمُرَاهَقَةِ لَدَى الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ؟
٢. لِمَاذَا كَانَتْ بِدَايَةُ الْمُرَاهَقَةِ وَنِهَايَتُهَا تَخْتَلِفُ بَيْنَ الأَطْفَالِ؟ مَا أَهَمَّ عَوَامِلِ ذلِكَ الاخْتِلَافِ؟
٣. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ لِلطِّفْلِ فِي سِنِّ العَاشِرَةِ إِلَى السَّادِسَةِ عَشْرَةَ؟
٤. مَا هِيَ مُمَيِّزَاتُ التَّغَيُّرَاتِ الْجِسْمِيَّةِ لِلبَنِينَ وَالْبَنَاتِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ؟
٥. مَا هِيَ مُمَيِّزَاتُ التَّغَيُّرَاتِ الْجِسْمِيَّةِ لِلبَنِينَ خَاصَّةً؟
٦. مَا هِيَ مُمَيِّزَاتُ التَّغَيُّرَاتِ الْجِسْمِيَّةِ لِلبَنَاتِ خَاصَّةً؟
٧. مَا أَسْبَابُ كَوْنِ التَّغَيُّرَاتِ الْعَضْوِيَّةِ وَالْبِيُولُوجِيَّةِ لِلبَنَاتِ أَسْبَقَ مِنَ الْبَنِينَ؟
٨. مَا الْفَرْقُ بَيْنَ فَتْرَةِ النُّمُوِّ لِلبَنِينَ وَالْبَنَاتِ؟
٩. اذْكُرِ الاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ فِي حَجْمِ الْجِسْمِ وَقُوَّةِ الْعَضَلاتِ؟
١٠. بَيِّنِ النُّمُوَّ الْعَقْلِيَّ فِي مَرْحَلَةِ الْمُرَاهَقَةِ؟
صفحة ٢٩
١١. مَتَى يَصِلُ نُمُوُّ الذَّكَاءِ العامِّ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ؟
١٢. بَيِّنِ النُّمُوَّ العَقْلِيَّ لِلطِّفْلِ فِي سِنِّ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ!
١٣. كَيْفَ تَنْضَجُ مُيُولُ الْمُرَاهِقِينَ؟ بَيِّنْ!
١٤. لِمَاذَا يَتَطَلَّبُ الْمُرَاهِقُ الْفُرَصَ اللازِمَةَ لإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ العَقْلِيَّةِ؟
١٥. لِمَاذَا لا يَفْصِلُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالتَّرْبِيَةِ بَيْنَ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ وَالنُّمُوِّ الْعَقْلِيِّ وَالنُّمُوِّ الْجِسْمِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ لِلْمُرَاهِقِ؟
١٦. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ؟
١٧. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الْوِجْدَانِيِّ لِلبَنَاتِ وَالْبَنِينَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ؟
١٨. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الانْفِعَالِيِّ فِي أَوَائِلِ فَتْرَةِ الْمُرَاهَقَةِ؟
١٩. هَاتِ مَثَالاً مِنِ اخْتِلَافِ الْمُرَاهِقِينَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي انْفِعَالَاتِهِمْ!
٢٠. مَا خَصَائِصُ النُّمُوِّ الانْفِعَالِيِّ لِلْمُرَاهِقِينَ فِي أَوَاخِرِ الْمُرَاهَقَةِ؟
صفحة ٣٠
هذه الصفحة الفارغة
الْبَابُ الثالث المسؤول عن تربية الطفل ٣١
مَعَ تَطَوُّرِ الْحَيَاةِ الْمَدَنِيَّةِ لِلإِنْسَانِ وَتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ التَّفَاعُلِ وَالتَّأْثِيرِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، تَعَدَّدَتِ الْوَسَائِلُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي تَرْبِيَةِ الإِنْسَانِ وَتَوْجِيهِ سُلُوكِهِ وَصِيَاغَةِ شَخْصِيَّتِهِ وَشَعَّبَتِ الْمَسْؤُولِيَّاتُ وَالْمَهَمَّاتُ.
لِذَا فَإِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ التَّرْبَوِيَّةَ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَدْرَسِ وَالْأُمَّةِ.
أ. الْوَالِدَانِ
بِالتَّأْمُلِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ نَجِدُ أَنَّ الْمَسْؤُولَ الْأَوَّلَ عَنِ التَّرْبِيَةِ هُوَ الْوَالِدَانِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
فَأَمَرَ اللهُ الْوَلَدَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِالرَّحْمَةِ لِوَالِدَيْهِ، لأَنَّهُمَا رَبَّيَاهُ تَرْبِيَةً هِيَ أَعْظَمُ مِيرَاثٍ وَأَبْقَى تَرَكَةٍ.
وَأَسَنَدَ الْقُرْآنُ التَّرْبِيَةَ إِلَى الْوَالِدَيْنِ مَعًا: الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَوْرٌ لا يَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، كُلٌّ مِنْهُمَا يُرَاعِي وَيُتَابِعُ
صفحة ٣٢
وَيَتَفَقَّدُهُ. إِذا خَرَجَ الوَالِدُ إِلى عَمَلِهِ فَالأُمُّ تُضَاعِفُ رِعَايَتَهَا وَعِنَايَتَهَا لِلْوَلَدِ.
وَلَكِنَّ المشْكَلَةَ اليَوْمَ هِيَ عَمَلُ المْرَأَةِ خَارِجَ البَيْتِ، فَيَكُونُ الأَوْلادُ يَتَامَى عِنْدَ غِيَابِ الوَالِدَيْنِ عَنْهُمْ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ:
أَحَمْدُ شَوْقِي بَكَ فِي شِعْرِهِ:
لَيْسَ الْيَتِيْمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ، وَخَلَّفَاهُ ذَلِيْلاً
إِنَّ الْيَتِيْمُ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ أُمًّا تَخَلَّتْ، أَوْ أَبًا مَشْغُوْلاً
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِي وَمُسْلِم).
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأْكِيدٌ أَثَرِ الْبِيئَةِ الْأُسَرِيَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ، وَتَحْمِيلِ الْوَالِدَيْنِ مَسْؤُولِيَّةَ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِمْ.
يُولَدُ الطِّفْلُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَيْ بِقُوًى وَاسْتِعْدَادَاتٍ وَمُيُولٍ وَمَوَاهِبَ تُؤَهِّلُ لِتَكْوِينِ شَخْصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَتُعْتَبَرُ الْبِيئَةُ الْأُسَرِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِيئَاتِ الْمُؤَثِّرَاتِ لِصَلاحِ الطِّفْلِ أَوْ طَلَاحِهِ.
صفحة ٣٣
وَيَلْزَمُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ الاهْتِمَامُ بِشَأْنِ أَوْلادِهِمَا، فَإِذَا بَلَغُوا سَبْعَ سِنِينَ عَزَّلَا فِرَاشَهُمْ، وَأَدْخَلَا حُجْرَةً خَاصَّةً بِهِمْ، وَعَلَّمَا الْوُضُوءَ وَعَوَّدَا الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَمْسَةِ، وَشَجَّعَا عَلَى التَّعَلُّمِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَجَعَلَاهُمْ فِي بِيئَةٍ حَسَنَةٍ، بِحَيْثُ يُحِيطُهُمْ مَنْ يَكُونُ خَيْرَ قُدْوَةٍ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (رواه أبو داود).
ب. الْمَدْرَسَة
الْمَدْرَسَةُ صُورَةٌ مُكَبَّرَةٌ لِلْبَيْتِ حَيْثُ يَجِدُ فِيهَا الطِّفْلُ كَثِيرًا مِنَ الإِخْوَةِ، يُشَارِكُهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَأَلْعَابِهِمْ وَحَيَاتِهِمِ الْمَدْرَسِيَّةِ، كَمَا يَجِدُ مُدَرِّسًا كَأَبٍ يُشَارِكُهُ فِي أَلْعَابِهِ وَيُرْشِدُهُ وَيُشَجِّعُهُ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، وَيَنْتَهِزُ كُلَّ فُرْصَةٍ لِيُعَلِّمَهُ مَا يَنْفَعُهُ، وَيَقُودُهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيُبَيِّنُ لَهُ مَا صَعُبَ عَلَيْهِ، وَيُجِيبُهُ إِذَا سَأَلَ، وَيُصَحِّحُ هَفْوَتَهُ إِذَا أَخْطَأَ، وَيَعِظُهُ، وَيَنْهَضُ بِهِ إِلَى التَّقَدُّمِ، فَيَفْتَحُ أَمَامَهُ السُّبُلَ،
صفحة ٣٤
وَيُشَجِّعُ فِيهِ حُبَّ الْبَحْثِ وَالْعَمَلِ، وَأَدَاءَ الْوَاجِبِ، وَالصَّبْرِ وَالْمُثَابَرَةِ، وَالاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ، وَالْأَمَانَةَ وَالإِخْلَاصَ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْمُدَرِّسُ أَبًا شَفِيقًا، وَقَائِدًا حَكِيمًا، وَمُرْشِدًا مُخْلِصًا، وَصَدِيقًا وَفِيًّا.
وَلِذَلِكَ لَيْسَتْ وَظِيفَةُ الْمَدْرَسَةِ مَحْصُورَةً عَلَى تَعْلِيمِ النَّشْءِ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ وَتَلْقِينِ الْمَعْلُومَاتِ، وَلَكِنْ وَظِيفَتُهَا إِعْدَادُ الْفَرْدِ لِمَا يَتَطَلَّبُهُ الْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وَلِلْحَيَاةِ الْكَامِلَةِ، وَتَوْجِيهِهِ إِلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُ كَيْ يَسِيرَ بِنَجَاحٍ إِلَى النِّهَايَةِ.
ج. الْأُمَّة
إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحَمِّلُ الْأُمَّةَ الْمَسْؤُولِيَّةَ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهَا. يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ جَمِيعًا أَنْ يُذَكِّرَ كُلٌّ مِنَّا الْآخَرَ بِالْخَيْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَقَالَ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات].
صفحة ٣٥
٥٥]. وَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (رواه مسلم).
وَعَلَى ذلِكَ، فَالأُمَّةُ كُلُّهَا مَسْئُولَةٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ، الوَالِدَانِ فِي البَيْتِ، المُعَلِّمُ فِي المَدْرَسَةِ، الوَاعِظُ فِي المَسْجِدِ، وَالأَدِيبُ فِي شِعْرِهِ، وَالمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَالمُحَاضِرُ فِي الجَامِعَةِ.
دُوْرُ العِلْمِ فِي مَعَاهِدَ وَجَامِعَاتٍ وَمَدَارِسَ، دُوْرُ الثَّقَافَةِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ وَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ، الإِذَاعَةُ المَسْمُوْعَةُ وَمَا تَبُثُّهُ مِنْ بَرَامِجَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالإِذَاعَةُ الْمَرْئِيَّةُ وَمَا تَعْرِضُهُ وَمَا تُقَلِّبُهُ لِلْمُشَاهِدِينَ. لِكُلٍّ مِنْهَا أَثَرُهَا البَيِّنُ فِي عُقُوْلِ النَّاشِئِينَ وَسُلُوْكِهِمْ.
إِنَّ الأُمَّةَ كُلُّهَا مَسْئُولَةٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ، الكِبَارُ عَنِ الصِّغَارِ، العُلَمَاءُ عَنِ الجُهَلَاءِ، الأَغْنِيَاءُ عَنِ الفُقَرَاءِ، الأَقْوِيَاءُ عَنِ الضُّعَفَاءِ، العُقَلَاءُ عَنِ السُّفَهَاءِ.
فَكُلٌّ فِي مَجَالِ عَمَلِهِ مَسْئُوْلٌ أَمَامَ اللهِ تَعَالَى عَنْ فَسَادِ أَخْلَاقِ الأَبْنَاءِ، وَعَنِ اعْوِجَاجِ سُلُوْكِهِمْ، فَلَنْتَعَاوَنْ وَنَتَنَاسَقِ الْجُهُوْدَ.
وَكُلُّ يَضَعُ لُبْنَةً فِي البِنَاءِ، بِنَاءِ التَّرْبِيَةِ، وَيُضَاعِفُ الْجُهْدَ فِي.
صفحة ٣٦
تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِ، وَفِي تَرْبِيَةِ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَرْبِيَتَهُ، قَدْرَ طَاقَتِهِ، مُرَاعِيًا فِي ذلِكَ كُلِّهِ الرِّفْقَ وَاللِّينَ، وَالْمَوْعِظَةَ الْحَسَنَةَ، وَالإِقْنَاعَ الْحَكِيمَ، وَالْقُدْوَةَ السَّلِيمَةَ.
د. التَّعَاوُنُ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْyمَدْرَسَةِ وَالْأُمَّةِ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ
الطُّفُولَةُ أَهَمُّ أَدْوَارِ الْحَيَاةِ، وَلَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ مِنَ النَّاحِيَتَيْنِ الْفَرْدِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، فَكَمَا يَكُونُ الطِّفْلُ يَكُونُ الرَّجُلُ.
فَإِذَا عُنِيَنَا بِالطِّفْلِ كُلَّ الْعِنَايَةِ فِي الْبَيْتِ وَالْمَدْرَسَةِ كَانَ أَقْوَى جِسْمًا، وَأَجْوَدَ صِحَّةً، وَأَكْثَرَ نَظَافَةً، وَأَذْكَى عَقْلًا، وَأَحْسَنَ سُلُوكًا، وَأَسْعَدَ حَيَاةً. وَإِذَا أُهْمِلَتِ الطُّفُولَةُ كَانَ لِذلِكَ الْإِهْمَالِ أَثَرٌ سَيِّئٌ فِي مُسْتَقْبَلِ الْفَرْدِ وَحَالِ الْمُجْتَمَعِ.
إِنَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْأُمَّةَ يَجِبُ أَنْ يَعْمَلُوا يَداً بِيَدٍ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقُومَ بِأَعْمَالٍ جَلِيلَةٍ فِي الْكِبَرِ.
وَأَحْسَنُ الْوَسَائِلِ الَّتِي بِهَا يَسْتَطِيعُونَ إِعْدَادَ الطِّفْلِ لِلْحَيَاةِ الْكَامِلَةِ هِي:
١. الْعِنَايَةُ بِدَوْرِ الطُّفُولَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلُ الطِّفْلِ وَحَيَاتُهُ.
٣٧
٢. الاهْتِمَامُ بِالأَلْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ، فَإِنَّهَا خَيْرُ وَسِيلَةٍ لِتَقْوِيْمِ خُلُقِ الطِّفْلِ وَتَقْوِيَةِ جِسْمِهِ.
٣. أَنْ يُعْطَى الطِّفْلُ حُرِّيَّةً كَبِيرَةً لِتَنْمِيَةِ مَوَاهِبِهِ وَقُوَّاهِ، الَّتِي تُعَدُّ هِبَةً لِلْحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ.
٤. الْعِنَايَةُ بِالْفُنُونِ وَالأَعْمَالِ اليَدَوِيَّةِ، فَهِيَ وَسِيلَةٌ لِلنُّمُوِّ العَقْلِيِّ وَالْمَهَارِيِّ وَتَهْذِيبِ الْخُلُقِيِّ، وَكَسْبِ الْمَهَارَةِ.
٥. العَمَلُ عَلَى الإِصْلَاحِ دَائِمًا.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ أَنَّ التَّرْبِيَةَ مِنْ أَرْقَى العَوَامِلِ فِي رُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا اتَّصَلَ بِالأُمَّةِ تَشَبَّعَ بِرُوحِهَا، وَعَمِلَ بِمَبَادِئِهَا، وَأَنَّ الْبِيئَةَ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي تَرْبِيَةِ الشَّخْصِ،
وَأَنَّ لِلْوَالِدَيْنِ أَثَرًا كَبِيرًا فِي خُلُقِ الإِنْسَانِ وَلُغَتِهِ وَذَوْقِهِ وَتَفْكِيرِهِ وَمُيُولِهِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَقُومَا وَحَدَهُمَا بِتَهْذِيبِ قُوَى الطِّفْلِ وَمَوَاهِبِهِ، وَأَنَّ الْمَدْرَسَ يَجِبُ أَنْ يَتَعَاوَنَ مَعَ الْوَالِدَيْنِ عَلَى القِيَامِ بِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ تَرْبِيَةً كَامِلَةً.
دَوْرُ الْمَسْجِدِ فِي تَرْبِيَةِ ه .
كَانَ أَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا وَصَلَ الْمَدِينَةَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ.
وَالْمَسْجِدُ فِي صَدْرِ الإِسْلَامِ لَهُ وَظَائِفُ جَلِيلَةٌ أَهْمَلَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ عَدَدًا مِنْهَا.
بِجَانِبِ كَوْنِ الْمَسْجِدِ مَعْبَدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا مُنْطَلَقًا لِلْجُيُوشِ وَحَرَكَاتِ التَّحْرِيرِ، وَكَانَ مَرْكَزًا تَرْبَوِيًّا، يَتَرَبَّى فِيهِ النَّاسُ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَحُبِّ الْعِلْمِ، وَعَلَى الوَعْيِ الاجْتِمَاعِيِّ، فَكَانَ أَنْ انْطَلَقَ تَعْلِيمُ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ، أَيِ الْبَدْءُ بِمَحْوِ الأُمِّيَّةِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَكَانَ مَصْدَرَ إِشْعَاءٍ خُلُقِيٍّ، يَتَشَبَّعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِفَضَائِلِ الأَخْلَاقِ وَكَرِيمِ الشَّمَائِلِ، لِيَرْفَعُوا رَايَةَ الإِسْلَامِ.
فِيهِ يَتَعَلَّمُ النَّاشِئُونَ الْقُرْآنَ وَيُرَتِّلُونَهُ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّمُوِّ الْفِكْرِيِّ، وَالْحَضَارِيِّ بِتَعَلُّمِ الْقِرَاءَةِ، وَدُسْتُورِ الْمُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، وَالنَّمُوِّ الرُّوحِيِّ وَهُوَ الارْتِبَاطُ بِخَالِقِهِمْ.
وَفِيهِ يَتَعَلَّمُونَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ مِنْ نُظُمِ الْحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ كَمَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُنَظِّمَهَا لِلإِنْسَانِ، وَمِنْ هِدَايَةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنَ الْعُلُومِ الْمُتَمِّمَةِ لِذَلِكَ كَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ وَغَيْرِهَا وَالْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ.
صفحة ٣٩
فَالْمَسْجِدُ عَلَى هَذَا الدَّوْرِ يُعَلِّمُ النَّاشِئِينَ أَنَّ جَمِيعَ أُمُورِ الْحَيَاةِ تَابِعَةٌ لِلارْتِبَاطِ بِاللَّهِ، وَصَادِرَةٌ عَنْ هَدَفِ التَّرْبِيَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الشَّامِلِ الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الْعُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ.
١. مَنِ الْمَسْئُولُ الْأَوَّلُ فِي تَرْبِيَةِ الطَّفْلِ؟ هَاتِ دَلِيلاً مِنَ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ!
٢. مَا عَاقِبَةُ خُرُوجِ الْأُمِّ مِنْ بَيْتِهَا لِلْعَمَلِ نَحْوَ تَرْبِيَةِ الطَّفْلِ؟
٣. مَنِ الْيَتِيمُ الْحَقِيقِيُّ عِنْدَ أَحْمَدَ شَوْقِي بَك؟ اكْتُبْ بَيْتًا مِنْ شِعْرِهِ!
٤. هَاتِ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ أَثَرِ الْبِيئَةِ الْأُسَرِيَّةِ فِي تَرْبِيَةِ الطَّفْلِ! بَيَّنْهُ!
٥. مَا الْأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ بُلُوغِ الْوَلَدِ سَبْعَ سِنِينَ؟ هَاتِ دَلِيلاً مِنَ الْحَدِيثِ!
٦. لِمَاذَا يُقَالُ إِنَّ الْمَدْرَسَةَ صُورَةٌ مُكَبَّرَةٌ لِلْبَيْتِ؟ بَيِّنْ!
صفحة ٤٠
٧. هَلْ وَظِيفَةُ الْمَدْرَسَةِ مَحْصُورَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ النَّشْءِ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ وَتَلْقِينِ الْمَعْلُومَاتِ؟ لِمَاذَا؟
٨. اذْكُرْ آيَةً قُرْآنِيَّةً تَدُلُّ عَلَى مَسْئُولِيَّةِ الْأُمَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ!
٩. اذْكُرْ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى مَسْئُولِيَّةِ الْأُمَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ!
١٠. بَيِّنْ مَسْئُولِيَّةَ الْأُمَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا!
١١. كَيْفَ حَالُ الطِّفْلِ عِنْدَ الاعْتِنَاءِ بِتَرْبِيَتِهِ وَإِهْمَالِهَا؟
١٢. مَا الْوَسَائِلُ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِهَا الْوَالِدَانِ وَالْمَدْرَسَةُ وَالْأُمَّةُ إِعْدَادَ الطِّفْلِ لِلْحَيَاةِ الْكَامِلَةِ؟
١٣. مَا دَوْرُ الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
١٤. مَا دَوْرُ الْمَسْجِدِ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ؟
الْبَابُ الرَّابِعُ
الْقُدْوَةُ وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ لِلنَّشْءِ وَالشَّبَابِ
الْقُدْوَةُ مِنْ أَهَمِّ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي تَلَعَبَ دَوْرًا كَبِيرًا فِي اتِّجَاهَاتِ وَسُلُوكِ النَّشْءِ وَالشَّبَابِ فِي فَتَرَاتِ تَكْوِينِهِمُ الْأُولَى.
وَهِيَ مِنْ أَنَجَحِ الْوَسَائِلِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي إِعْدَادِ الْجِيلِ الْجَدِيدِ خُلُقِيًّا، وَتَكْوِينِهِمْ نَفْسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا. ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَبِّيَ هُوَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي نَظَرِ الطَّفْلِ النَّاشِئِ
فَإِنْ كَانَتِ الْقُدْوَةُ عَامِلًا كَبِيرًا فِي صَلَاحِ الْوَلَدِ أَوْ فَسَادِهِ.
فَإِنْكَانَ الْمُرَبِّي صَادِقًا أَمِينًا خَلُوقًا كَرِيمًا شُجَاعًا عَفِيفًا، نَشَأَ الْوَلَدُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالْخُلُقِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعِفَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَبِّي كَاذِبًا خَائِنًا بَخِيلًا جَبَانًا، نَشَأَ الْوَلَدُ عَلَى الْكِذْبِ وَالْخِيَانَةِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ.
يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُ الْقُدْوَةِ بِاخْتِلَافِ الْمَرَاحِلِ الْعُمْرِيَّةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْأَطْفَالُ، فَقَدْ يَتَأَثَّرُونَ بِالْقُدْوَةِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَفِي مُحِيطِ الْمُجْتَمَعِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ، فَهُمْ يَتَأَثَّرُونَ بِسُلُوكِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْحِيرَانِ وَالْمُجْتَمَعِ.
صفحة ٤٢
يَرَى الْإِسْلَامُ أَنَّ الْقُدْوَةَ أَعْظَمُ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ، فَهُوَ يُقِيمُ تَرْبِيَتَهُ عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْقُدْوَةِ عَلَى أَنَّهَا أَقْوَى وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ تَأْثِيرًا عَلَى النُّفُوسِ وَتَوْجِيهًا لِلسُّلُوكِ.
إِنَّ أُصُولَ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْمُرَبِّي قُدْوَةً طَيِّبَةً لِغَيْرِهِ تَرْجِعُ إِلَى أَصْلَيْنِ كَبِيرَيْنِ: حُسْنِ الْخُلُقِ، وَمُوَافَقَةِ الْعَمَلِ لِلْقَوْلِ.
١. حُسْنُ الْخُلُقِ؛
وَمِنَ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي لَهَا صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بِعَمَلِ الْمُرَبِّي هِيَ: الصِّدْقُ، وَالصَّبْرُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالْمُخَالَطَةُ وَإِقَامَةُ الْعَلَاقَاتِ مَعَ النَّاسِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَقَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).
فَعَلَى الْمُرَبِّي الْحَرِيصِ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ.
٢. مُوَافَقَةُ الْعَمَلِ لِلْقَوْلِ؛
فَلِيَحْذَرِ الْمُرَبِّي مِنْ مُخَالَفَةِ أَفْعَالِهِ لِأَقْوَالِهِ، فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِكَلَامِ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُوَافِقُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ.
وَلِهَذَا حَذَّرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ مُخَالَفَةِ أَفْعَالِنَا لِأَقْوَالِنَا، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
صفحة ٤٣
﴿مَا لَا تَفْعَلُوْنَ.
كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُوْلُوا مَا لَا تَفْعَلُوْنَ﴾ [الصف: ٢-٣]؛ وقال جل جلاله: ﴿أَتَأْمُرُوْنَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُوْنَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُوْنَ﴾ [البقرة: ٤٤].
فَعَلَى الْمُرَبِّي الْحَرِيصِ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ أَنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ دَائِمًا عَلَى مُوَافَقَةِ أَفْعَالِهِ لِأَقْوَالِهِ، فَإِنَّ هَذَا أَدْعَى لِلإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَقَبُولِ قَوْلِهِ.
فَإِذَا تَحَقَّقَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ حَسُنَتْ سِيرَةُ الْمُرَبِّي وَأَصْبَحَتْ سِيرَتُهُ الطَّيِّبَةُ دَعْوَةً صَامِتَةً إِلَى الْقُدْوَةِ، وَإِنْ فَاتَهُ هَذَانِ الْأَصْلَانِ سَاءَتْ وَصَارَتْ دَعْوَةً صَامِتَةً مُنَفِّرَةً عَنِ الْقُدْوَةِ.
هَذَا مَا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ شِعَارٍ مَعْهَدِ دَارِ السَّلَامِ كونتور:«إِنَّ تَنْفِيذَ التَّرْبِيَةِ الْخُلُقِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ لَا يَكْفِي بِمِجَرَّدِ الْكَلَامِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ وَإِيجَادِ الْبِيئَةِ؛ فَكُلُّ مَا يَرَاهُ التَّلَامِيذُ وَمَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ حَرَكَاتٍ وَأَصْوَاتٍ فِي هَذَا الْمَعْهَدِ يَكُونُ عَامِلًا مِنْ عَوَامِلِ التَّرْبِيَةِ الْخُلُقِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ».
صفحة ٤٤
الْأَسْئِلَةُ
١. لِمَاذَا كَانَتِ الْقُدْوَةُ مِنْ أَنْجَحِ الْوَسَائِلِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي تَرْبِيَةِ النَّشْءِ؟ هَاتِ مَثَالًا!
٢. بَيِّنْ أَنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْوَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَرَاحِلِ الْعُمْرِيَّةِ!
٣. اذْكُرْ أُصُولَ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْمُرَبِّي قُدْوَةً طَيِّبَةً لِغَيْرِهِ!
٤. اذْكُرْ دَلِيلاً مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يُبَيِّنُ عَنْ كَوْنِ حُسْنِ الْخُلُقِ أَصْلًا لِلْقُدْوَةِ!
٥. اذْكُرْ دَلِيلاً مِنَ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ يُبَيِّنُ عَنْ كَوْنِ مُوَافَقَةِ الْعَمَلِ لِلْقَوْلِ أَصْلًا لِلْقُدْوَةِ!
٦. اذْكُرْ شِعَارَ مَعْهَدِ دَارِ السَّلَامِ كونتور عَنْ أَهَمِّيَّةِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ فِي التَّرْبِيَةِ!
صفحة ٤٥
selesai
صفحة ٤٦
## isi ##
صفحة ٤٧
## isi ##
